أحمد بن يحيى العمري

12

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

الصيد وهي لا تطعمه ، وتحن إليه كأنها تقضمه ، وعلى أيدينا جوارح مؤللة المخالب والمناسر ، مدربة النصال والخناجر ، سابغة الأذناب ، كريمة الانتساب ؛ إذ وردنا ماء زرقا جمامه ، طامية أرجاؤه ، يبوح بأسراره صفاؤه ، ويلوح في قراره حصباؤه ، وأفانين الطير به محدقة ، وغرائبه عليه محلقة ، متغايرة الألوان والصفات ، مختلفة اللغات والأصوات ؛ فلما أقبلنا عليها ، أرسلنا الجوارح كأنها رسل المنايا أو سهام القضايا ، فلم نسمع إلا مسمّيا ، ولم نر إلا مذكّيا ؛ وانطلقنا بعد ذلك نعتام في الطير ونتخير ونقترح ونتحكم ؛ فاختطفنا ببراثننا ما طار منه وانتشر ، وأخذنا بجوارحنا ما لاح منه واستتر ؛ فاهتدت إليها تستدل عليها بالشميم ، وتهتدي إليها بالنسيم ؛ فلم يفتنا ما برز ، ولا سلم منا ما احترز ، ثم عدلنا من مطائر الحمام إلى مسارح الآرام ، وأمامنا أدلة فرهة يهتدون ، ورواد « 1 » مهرة يرشدون ، حتى أفضينا إلى أسراب كثيرة العدد ، متصلة المدد ، لاهية بأطلائها ، راتعة في أكلائها ؛ ومعنا فهود أخطف من البروق ، وألقف من الليوث ، وأجدى من الغيوث ، وأمكن من الثعالب ، وأدبّ من العقارب ، وأنزى من الجنادب ، خمص البطون ، رقش المتون ، خزر الأحداق ، هرت الأشداق ، غلب الرقاب ، كاشرة عن أنياب كالحراب ، تلحظ الظباء من أبعد غاياتها ، وتعرف حسها من أقصى نهاياتها ، فأقبلنا من تجاه الريح عليها ، وأغذذنا المسير نحوها وإليها ، ثم وثبنا لها الضّراء ، وشننا عليها الغارة الشعواء ، وأرسلنا فهودنا ، وجرت خيلنا في آثارها كاسعة لأذنابها ، فألفينا كلا منها على ظبي قد افترشه ، وصرعه فعجعجه « 2 » ؛ وأوغلنا من بعد في اللحاق ، وقص آثار ما ند وبعد ؛ وقد انتهت النوبة إلى الكلاب والصقور ، ومعنا منها كل عريق المناسب نجيح المكاسب ، حلو

--> ( 1 ) في الأصل : وردّواد ! . ( 2 ) عجعج : رفع صوته . ( القاموس ) .